الوقف بالمغرب

       تشكل الأوقاف الإسلامية بالمملكة المغربية تراثا خالصا للمسلمين المغاربة، تركه السلف ضمانة مادية لاستقرار الإسلام واستمرار تعاليمه بينهم ايمانا منهم بأهميته التي لا تنحصر في البر والإحسان بل تشمل كافة مجالات الحياة دون اقتصار على مجال معين. 

       فالمغاربة لما عرفوا قدسية الوقف، باعتباره من أطيب المكاسب التي تشكل نظاما اجتماعيا أصيلا يستمد أسسه من الشريعة الإسلامية ويهدف الى تعزيز الروابط بين الأفراد ظلوا في مختلف عهودهم ومستوياتهم الاجتماعية يحرصون على تحبيس شيء من ممتلكاتهم في سبيل الله وذلك لصرف ريعها ومدخولها في وجوه الخير المختلفة وإقامة شعائر الدين وتحقيق المنافع العامة للمسلمين.

       وعليه فالمغرب كغيره من البلدان الإسلامية عرف الوقف العام بوصول الفاتحين المسلمين1، فكانت المساجد هي طليعة المؤسسات الوقفية التي ظهرت واستقرت2 بالمغرب حيث يرجع تاريخها الى أيام عقبة بن نافع الفهري3، لتحتل بذلك مكانة عظيمة في حياة المجتمع حتى أصبح من النادر أن يخلو حي أو زقاق من مسجد أو عدة مساجد، خاصة وأن المبادرات الفردية أو الجماعية للمحسنين ساهمت بحظ وافر في التكثير من عددها سواء بما رصدوه لها من هبات مالية أو ما وقفوه عليها من رباع وعقارات4.

       لكن مع اطراد ممارسة الوقف في الواقع الاجتماعي للمغاربة عبر المراحل التاريخية المتلاحقة سرعان ما ظهرت ألوان شتى من الوقوف على اختلاف أنواعها الدينية والتعليمية والاجتماعية والصحية ، وأصبح لها دور بارز في توفير الكثير من الخدمات للمجتمع بطريقة تلقائية وتطوعية من جميع طبقات المجتمع المغربي وتبعا لحاجاته.

       فالسلاطين الدين تعاقبوا على الحكم بالمغرب لما أدركوا قدسية الأوقاف وحرمتها الدينية ،وتيقنوا أنها خير ضمانة تابثة تحفظ مصير الملة الإسلامية مما تهددها من أخطار اجتهدوا في حمايتها5 من كل اعتداء أو تصرف مخالف للأهداف التي حبست من أجلها. 

         ومما يدل على العناية بالوقف عبر التاريخ المغربي ما نعرفه من توالي بناء المنشآت الوقفية ، ففي عهد الإدارسة تم بناء جامع القرويين بفاس الدي لا يخفى على أحد ما لهدا المسجد من الريادة والخصوصية والدلالة، اضافة الى جامع الأندلسيين بفاس كدلك ومسجد باب دكالة بمراكش. 

        أما عهد الدولة المرابطية فقد شهد بناء مجموعة من المدارس التي كانت ملاذا لطلاب العلم من جميع الجهات على نفقة الأحباس.

        وفي صدد الإهتمام بالعلم وطلابه نجد أن أول خزانة وقفت بالمغرب كانت في عهد الموحدين6، اضافة الى المساجد7 والمدارس التي كان لها الأثر البارز في تنمية الثقافة ونشرها في هدا العهد.

       أما المرينيون فقد اهتموا بتنظيم الوقف وتعيين مشرفين مباشرين له معتمدين في ذلك على مجموعة من التقنينات المستمدة من فتاوى الفقهاء حيث أحدثوا نظارات للوقف بمختلف الحواضر وجعلوا لكل حبس ناظرا 8، كما ضبطوا رباع الوقف عن طريق نظام الحوالات الحبسية، كما سعوا الى إنشاء الكراسي العلمية لتدريس العلوم الدينية والشرعية ووقفوا عليها عقارات ومنقولات، فتوافرت أحباسها وتزايدت. كما اجتهدوا في جانب المكتبات فشيدوا الجديدة منها ووسعوا القديمة في مدن مغربية عدة كتازة ومكناس وسلا ومراكش وسبتة 9، كما اعتنوا ببناء المساجد والمستشفيات وعهدوا بإدارتها لأشهر الأطباء للاعتناء بالمرضى.

       ولعل ما يمكن ملاحظته في هذا العهد هو اتحاد المدارس والخزانات العلمية مما هيأ الوسائل الكافية لنشر العلوم والمعارف على أوسع نطاق في عهد الدولة الوطاسية التي اهتمت كذلك بالكراسي العلمية لأنها كانت بمثابة ولاية حكومية لا تقل عن منصب القضاء والفتيا والوزارة، كما تم تسخير مداخيل الأحباس الكثيرة في هذه الحقبة للإنفاق على المرضى والمنقطعين. الا ان سوء تدبير الأموال الموقوفة خلال هده الفترة جعلها تتراجع وكان هذا من المشاكل التي وقع على كاهل السعديين أمر علاجها، ذلك أن التنظيم السعدي للأوقاف جاء امتدادا لما عرف في العصر المريني، حيث تبلورت مساهمتهم في تشييد المساجد أو ترميمها، واحياء بعض المدارس وتأسيس أخرى10، وإنشاء المكتبات وتزويد القديمة منها بالمؤلفات 11، إضافة الى انشاء عدد من السقايات بجوار الجوامع، الا أن الملاحظ خلال هذه الحقبة هو غياب أنواع من الوقف خاصة الأوقاف الإجتماعية.

       وتبقى أهم مرحلة في تاريخ نظام الوقف بالمغرب عامة هي مرحلة الدولة العلوية، حيث ظهرت معطيات جديدة جعلت الدولة تحتضن الوقف لأن سلاطين المغرب كانوا محافظين تمام المحافظة على مبدأ أن الأحباس لاتباع ولا ترهن ولا يضيع منها قليل ولا كثير، ايمانا منهم بأن الملة إذا لم تكن لها أوقاف تابثة، مصونة، تنفق عليها وتصرف على القائمين بحفظها ونشر تعاليمها فإنها تصبح معرضة لكثير من الأخطار 12، مما كان له الأثر الإيجابي في نفوس المغاربة الذين أقبلوا على التحبيس.

       ومن المواقف التي سجلها التاريخ لملوك الدولة العلوية ايلائهم العناية الفائقة لشؤون الوقف، حيث أسبغوه كريم رعايتهم، حيث ساندوه وحافظوا على مؤسساته التعليمية من مساجد، ومدارس وزوايا، وكتاتيب قرآنية، وأسسوا خزانات علمية شحنوها بالألاف من أنفس الكتب العلمية تسهيلا وتيسيرا على طلبة العلوم، كما قاموا بإحصاء جميع الممتلكات الوقفية وتسجيلها في دفاتر رسمية، وذلك مخافة الضياع والنسيان نتيجة كثرة الأوقاف بالمملكة.

       لكن ابتلاء المملكة بنظام الحماية الفرنسية جعل هذه الأخيرة لم تدخر جهدا لاستنزاف الممتلكات الحبسية، لكن الحكومة الشريفة انداك نجحت في جعل مؤسسة الوقف خارج نطاق معاهدة الحماية.

       وخلال مرحلة ما بعد الإستقلال بقي تنظيم الوقف يرتكز على مجموعة من الظهائر الشريفة التي يصطلح على تسميتها بالظوابط الحبسية، رغم تطور مؤسسة النظارة على الوقف التي انتقلت من "بنيقة الأحباس" الى وزارة للأوقاف مهيكلة طبق معايير الإدارة الحديثة .

       ومع تنامي المجتمع المغربي، ظهرت الحاجة الى إعطاء الموال الموقوفة وحمايتها حماية قانونية أكبر لتنميتها واسثتمارها، وذلك لتحقيق الهداف المنشودة منها وهو ما تجسد فعلا بصدور مدونة للأوقاف، جمعت بين دفتيها شتات النصوص القانونية المتعلقة بالوقف، والقواعد الفقهية الخاصة به المتناثرة في كتب الفقه الإسلامي وذلك في انسجام تام، يراعي خصوصية الوقف، ويساهم لا محالة في توفير الحماية الفعالة له.

------------------------------------------------

1- أحمد الريسوني: الوقف الإسلامي مجالاته وأبعاده ، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ايسسكو ص:29.
2- أحمد الريسوني: المرجع السابق ص 29.
3- رقية بلمقدم: أوقاف مكناس في عهد مولاي اسماعيل .الجزء الأول .منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية .ص42.
4- رقية بلمقدم: المرجع السابق ص43.
5- من مظاهر حماية الأوقاف على امتداد التاريخ المغربي إصدار مجموعة من الظهائر تحث القائمين على الأملاك الحبسية على حسن تدبير هده الممتلكات ومراقبتها وهو ما قام به المولى اسماعيل من احصاء للأوقاف وتسجيلها في دفاتر خصوصية رسمية تشكل وثائق تاريخية ومن دلك ما يسمى بالحوالات الحبسية .
6- أنظر لمزيد من المعلومات: السعيد بوركبة :دور الوقف في الحياة لثقافية بالمغرب في عهد الدولة العلوية ،الجزء الأول ص:66.
7- من هده الجوامع الجامع الأعظم بسلا وجامع المنصور بمراكش انظر السعيد بوركبة المرجع السابق ص71.
8- محمد المنوني : ورقات عن الحضارة المغربية في عصر بني مرين : منشورات كلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط ص:64.
9- رقية بلمقدم .المرجع السابق ص:73.
10- من هذه المدارس مدرسة أقا بأقصى الجنوب،ومدرسة الحسن التاملي بتتيوت ، والمدرسة البرحيلية بالمنابهة قرب تارودانت.
11- رقية بالمقدم :المرجع السابق ص: 81.
12- محمد المكي الناصري : الأحباس الإسلامية في المملكة المغربية .منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية السنة:1412/1992 ص20.